Digital clock

السبت، 21 ديسمبر، 2013

عقوبة المُرتد بين التعزير والحد


لا يُعقل ان يكون هناك موضوع خطير وفارق كـ" عقوبة المرتد" وهو أمر متعلّق بحياة الانسان ولم يتعرّض له القرآن، فهناك حدود للزنا والقذف والسرقة وشرب الخمر وقطع الطريق واحكام القصاص والزواج والطلاق والمواريث..الخ، لكن لايوجد نَص قرآني صريح او بالتلميح والايماء يُثبت حدة الردة، غير ان العكس هو الصحيح، أى ان حرية الاعتقاد مكفولة للجميع حتى للذين كفروا بعد اسلامهم، قال تعالى: "إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا "-النساء 137، "لا إكراه في الدين قد تبين الرُشد من الغيّ"-البقرة 256، "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"-يونس 99، "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا"-الكهف 29، "ومن يرتدد منكم عن دينه فيمُت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"-البقرة 217، من يتدبّر كل الآيات المذكورة سلفًا يلاحظ انها لم تنص على عقوبة دنيوية للمرتد، الله يتوّعدهم في الآخرة بعقاب شديد وخلود في النار ولعنة تامة ولم يسقط عليهم احكام في الدنيا.
اذًا، من اين جاء المسلمون بحد الردّة.؟؟

حد الردّة في الاسلام نابع من احاديث صحيحة، وهى..
"من بدّل دينه فاقتلوه".. رواه البخاري ومسلم
"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".. رواه البخاري ومسلم
وقبل ان نتطرّق لتفسير الحديثين يجب التأكيد على ماهو أهمّ، ألا وهو انواع العقوبات في الاسلام:.
العقوبات في الاسلام تنقسم الى ثلاث، الحدود والقصاص والتعزير. مافائدة ذلك.؟؟ سنعرف من خلال تعريف كل واحدة ان كانت عقوبة المرتد حدًا ام تعزيرًا. مايهمنا هنا هو تعريف الحدود والتعزير فقط ولا يتسع الحديث لتعريف القصاص.
الحدود: هى محظورات شرعية، زجر الله عنها بعقوبات محددة ومعلومة، وهى حق لله، لايجوز النقصان منها او الامتناع عنها، ولا بأمر من الحاكم او القاضي او حتى المجني عليه، ولا رسول حتى، كما كان رد محمد -عليه الصلاة والسلام- على اسامة بن زيد -وهو حُب رسول الله- عندما جاء الى النبي لطلب العفو عن فاطمة المخزومية باسقاط حد السرقة عنها، قال النبي: أتشفع في حد من حدود الله.؟ إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". اذًا هو قول فصل، الحد لا يمكن درأه، والنبي رفض وساطة اسامة اعمالًا بقول الله عزل وجل: " والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما جزاء بما كسبَا نكالًا من الله واللهُ عزيزٌ حكيم"-المائدة 38.
التعزير: هى عقوبة غير مقدرة، تكون حقًا لله او لآدمي في معصية ليس فيها حد او كفارة، يقدرها الحاكم او القاضي بما يراه مناسب، وتبدأ العقوبات فيها من التوبيخ او الوعظ الى السجن او الجلد بما لايزيد عن عشرة- لانها لو زادت اصبحت حد- مرورًا بالغرامة المالية او المخالفات، او العفو.
وبعد ان عرفنا الفرق، سننتقل الى سرد وقائع منها ماهو شائع بالإجماع وماهو مثبت في صحيح البخاري ومسلم، مفادها ان النبي لم يقتل مرتدًا ابدًا، وبهذا نكون اثبتنا ان عقوبة المرتد ليست حدًا، لانه كما قُلنا سابقًا، لا يحق لنبي ان يُلغي او يتجاهل حدًا من حدود الله.

- عبد الله بن سعد بن ابي السرح
وهو شخصية جدلية في الاسلام، حيث انه كان احد كتبة الوحي، وهو الحاكم الثاني لمصر بعد عمرو بن العاص في الفتح الاسلامي، ارتد عن الاسلام بعدما زاغ قلبه واحدث تحريفًا بالقرآن بسبب واقعة معروفة عندما نزلت سورة "المؤمنون"، وعند فتح مكة.. امر الرسول بقتل مجموعة من الرجال والنساء حتى لو كانوا معلقين بأستار الكعبة، وسمّاهم بأسمائهم وكان من بينهم عبدالله بن ابي السرح، فلما علم اختبأ في منزل عثمان بن عفان -شقيقه في الرضاعة- وطلب من عثمان ان يشفع له عند النبي، فذهب مع عثمان للنبي وطلب العفو عنه بعد ان تاب ودخل الاسلام، وقد عفا عنه النبي بالفعل، فلو كانت عقوبة المرتد حدّية لما قبل النبي وساطة أحد بينه وبينها.

- ثاني الاستدلالات هو حديث شريف مثبت في صحيح مسلم، نَصّهُ "أن أعرابيًا بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة فأتى النبي فقال: يا محمد أقلني بيعتي، فأبى رسول الله، ثم جاءه فقال أقلني بيعتي، فأبى ثم جاءه فقال أقلني بيعتي، فأبى النبي، فخرج الأعرابي فقال رسول الله: إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها".
البيعة هنا هى بيعة الإسلام وليست الهجرة او الإمامة او غيرها، طلب الرجل من النبي أن ينقضها معه ويذهب، فرفض النبي ان يُقرّ على ماقاله، لأنه لاينبغي لنبي ان يكون شاهدًا على كُفر، لكنه تركه ولم يأمر احد بتعقبه او مضايقته.

- كان من احد بنود صلح الحديبية، أن يرُد المسلمين اى شخص يأتيهم من قريش اليها مرة أخرة، والّا يُمنع من هو مرتد عن الاسلام ويريد الذهاب الى قريش، فهل لو كان الارتداد عقوبة حدّية يوافق النبي على هذا الشرط.؟؟

- عبدالله بن سلول وجمع المنافقين، هذا المنافق الذي قال في حق النبي مالم يقٌله اعداءه، وحدثت بسببه أزمات جِسام بين المسلمين وبعضهم، والمعروف ان المنافق اشد خطرًا على المسلمين من مُعلن الكُفر الصريح، لم يقتله النبي هو وآخرين معه، حتى عند وفاته كفّنه النبي بسترته وصلى عليه، وكان عمر ابن الخطاب طلب من النبي اكثر من مرة ان يقتله فأبى النبي وقال: اتريد ان يتحدث الناس بأن محمدًا يقتل اصحابه.؟؟
حتى ان ابن حزم عندما اراد ترجيح كفّة الردة "كـحَد" علّل موقفه بأن النبي لم يكن يعرف هؤلاء المنافقين، وهذا غير صحيح، فنحن في زمننا هذا ونعرفهم بالتواتر والنقل، وكانوا معروفين بالاسم بين المسلمين وقتذئذٍ، ومعروف ان احدهم اتهم الرسول بالجور كذبًا وقال له اعدِل. ولم يقتل النبي أحدهم.

التفسيرات الشائعة لحديث "من بدّل دينه فاقتلوه" انه من ارتد عن الاسلام فلابُد من قتله، وتعليل المقتنعين والمروّجين لهذا التفسير، هو انه امر نبوي بقتل من ترك الحق بعد معرفته، ولا يُراعي هؤلاء الفرق بين الفتوى او التبليغ عن الله والقرار السياسي، فالرسول قال هذا النص بصفته الحاكم والإمام "رئيس السُلطة التنفيذية" وليس النبي الموحي إليه، وقيل في وقت حرج ولفترة معلومة، كان فيها لغط احدثه اليهود بالدخول في الاسلام والخروج منه جماعات لاحداث فتنة فيتبعهم من زاغ قلبه، وهو مايمثل خطر على الدولة والدين معًا، فقد كانت المجتمعات منقسمة على اساس الاديان، فترى معسكرات للمسلمين وكذلك لليهود والمسيحيين والوثنيين..الخ، وكانت جميعها في حالة حرب دائمة، ويُعادل الارتداد وقتها عن الجماعة في زمننا هذا تهمة الخيانة العظمى، حتى ان دلالة النَصّ عامة، من بدّل دينه فاقتلوه وليس من خرج من الإسلام فاقتلوه، أى من دخل او خرج من الاسلام فاقتلوه حتى يتبيّن لنا المنافقين المتحولين، فهل بنفس المنطق المتبع من تفسير الحديث ان يُقتل من بدّل دينه وتحوّل الى الاسلام.؟؟
فكما قُلت ان قول الرسول "من بدّل دينه فاقتلوه" في الفترة التي كانت تُحاك بالاسلام مؤامرة يهودية، هو مايشبه بـ"قانون الطوارئ" الآن، حتى يفضح الله الأمر، وبالفعل نزلت الآية "وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون"- آل عمران 72.

ننتقل الى تفسير الحديث الثاني، "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، الغالبية يفسرون نَص التارك لدينه المفارق للجماعة، أى الذي ترك جماعة المسلمين وخرج عن جملتهم، فيجب قتله ان لم يتُب.
طيب، المعروف انه لا يتعارض حديث للنبي مع آخر، فإذا كان النبي قد أمر بشئ وحدّد ثلاث صفات لتنفيذ هذا الشئ في حديثين، فيجب ان تكون الصفات متطابقة كلها في الحديثين، وبوجود حديث آخر للنبي رواه ابو داود والنسائي عن السيدة عائشة، نَصّهُ "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زانٍ محصن يُرجم "أى الثيب الزاني في الحديث الأول"، ورجلٌ قَتل متعمدًا فيُقتل"أى النفس بالنفس في الحديث الأول"، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض".
اذًا فالمقصود من نَص "والتارك لدينه المفارق للجماعة" في الحديث الأول، يمكن تفسيره على انه هو التارك لدينه المحارب لله ورسوله، وفي هذه الحالة يُقتل لحرابته لا لردته او يُصلب او يُنفى من الارض -وفقًا لتقدير الحاكم على حسب الضرر الناتج عن حرابته-، فلو أنه كان المقصود المرتد "بالتجريد" فلما قال المفارق للجماعة.!! وللعِلم هذا هو تفسير ابن تيمية للحديث، وقال انه لا يُستدل به على قتل المرتد.

يستدل البعض بحروب الردّة التي شنّها ابي بكر الصديق بوجوب حد الردّة، فالمعروف ايضًا انها كانت على مرتدين محاربين، اعلنوا العداء للاسلام والمسلمين جهرًا، واتخذوا من بينهم انبياء بالكذب، وبعضهم ارتد بانكار معلوم من الدين كرفض التبعية للحاكم وانكار فريضة الزكاة، تقول بعض الروايات ان الحرب قد طالت كل المرتدين سواء كانوا محاربين او مسالمين، والقول في ذلك انه لا أحد معصوم من الكبائر سوى الانبياء، فقد يُخطئ ابا بكر وغيره من الصحابة والتابعين، لكن ستظل الحقيقة المطلقة، ان خطأهم نتج عن اجتهادات وقرارات سياسية بحتة، لم تكن استنادًا على نص قرآني او أمر نبوي.

 لم يكُن إنكار قتل المرتد حديث العهد بإسم الديمقراطية والحريّات كما يقول الداعمين لحد الردّة، فلقد تبرّأ عمر بن الخطاب -وهو المعروف بالشِدّة والصرامة في الحق- من قتل المرتد، وقال تُعرض عليه الاستتابة، فإن تاب يُطلق سراحه، وان أصرّ على ارتداده يُسجن ولا يُقتل، ويجب التنويه هُنا على أن عقوبة السجن "سياسية" بأمر الحاكم، فوقتها كان الارتداد عن الدين والدولة معًا، وهو مايُعد خيانة للوطن وليس ارتداد فكري.
وقد أنكر حد الردة أعلام من التابعين مثل سفيان الثوري وابراهيم النخعي، حتى ان الاحناف جميعهم يرون قتل الرجل المرتد وترك المرأة لانها ليست محاربة، فيؤخذ بهذا الاستثناء ترك المرتد المسالم ايضًا لانه ليس محارب.


الخُلاصة..
1- ان عقوبة المرتد تعزيرية وليست حد أوجبه الله.
2- لا يُقتل المرتد المُسالم، فعقابه الكامل في الآخرة عند من خلقه، وهى عقوبات معلومة ووردت في القرآن الكريم في أكثر من آية وسبق ان ذكرت بعضها في المقدمة.
3- المرتد المحارب تتفاوت عقوبته على حسب جسامة حرابته وتكون تقديرية للحاكم او القاضي.
4- ما اعتقده هو ترجيح آيات محكمات على احاديث قد تحمل احتمالات.5 - "لا إكراه في الدين" تعني لا إكراه على الدخول إلى او البقاء في او الخروج من الدين، وليس كما يفسرها البعض بأنها لا إكراه على الدخول في الاسلام، فالايمان محله القلب، والمُكرَه على الاسلام ليس مسلم وكذلك المُكرَه على ترك الاسلام ليس كافر.