Digital clock

الأحد، 6 أكتوبر، 2013

كُلهم توفيق شركس


                                               
(1)
قُلتُ لكم مرارا
إن الطوابير التي تمُرّ
في إستعراض عيد الفطر والجلاء..
فتهتف النساء في النوافذ انبهارا
لا تصنع انتصارا
إن المدافع التي تصطَف ع الحدود، في الصحارى
لاتُطلِق النيران.. إلا حين تستدير للوَراء
إن الرصاصة التي ندفع فيها.. ثمن الكَسرةِ والدواء
لاتقتُل الأعداء
لكنها تقتُلنا.. اذا رفعنا اصواتنا جهارا
تقتُلنا وتقتل الصغارا
                                                   أمل دنقل - تعليقًا على ماحدث في "مخيم الوحدات".

كان هذا قبل ثلاثة أعوام من نصر اكتوبر المجيد، فقد كانت الدول العربية 
تتناحر مع بعضها البعض، هروبًا من مواجهتهم جميعًا مع الكيان الصهيوني وهو العدو الأزلي المُحتل اراضيهم ومقدساتهم، فصنعوا بأيديهم مايلهيهم عن ذلك.
وحتى هذه اللحظة، استمرت الجيوش العربية وقاداتها على هذا النمط، غير ان الدفّة تغيرت من ضرب بعضهم البعض الى ضرب شعوبهم، وفي هذا سنتحدث عن الجيش المصري، الذي ترك مهاممه في تطوير سلاحه ومُعداته - المستوردة جميعها- وحماية الحدود -المُخترَقة- والمساحات الشاسعة -التي اتخذ منها الخارجين عن القانون والارهابيين وطنًا- وقرّر التفرغ لممارسة الحياة السياسية وادارة البلاد داخليًا، وهو ما اثبت فيه قادته فشلهم جميعًا.
فلو نظرت الى من يدير هذا البلد حاليًا، ستجده وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، وليس الرئيس "الصوري" عدلي منصور.. يُساعده في ذلك رئيس الوزراء حازم ببلاوى من الناحية الاقتصادية وادارة المؤسسات، لكن في الامور المتعلقة بالقرارات السيادية ورسم خارطة الطريق للمرحلة الانتقالية -ونأمل في ان تكون ذلك- كل هذا يرجع الى السيسي.
تشكيل الوزارة عُرض عليه قبل ان يُعلن، وأوصى بضرورة تواجد اشخاص كما امر بالاطاحة بآخرين. هذا يتجلىّ عمليًا في أكثر من موضع في فترات زمنية متفاوتة، فمثلًا.. هو من طلب تفويض الشعب للحرب على الارهاب وليس رئيس الجمهورية المؤقت، له اليد العُليا في اختيار اكثر من 15 رجل عسكري بحركة المحافظين ولا احد غيره، عندما تراه في مقدمة الصفوف بجنازة اللواء نبيل فرّاج والببلاوي من خلفُه تتأكد من ذلك.
ناهيك عن الحملات التي يُروّجها بعض مؤيديه باسم "كمّل جميلك" وكأنهم يقولون كمّل جميلك ورجّع مبارك، وهذا البكري الذي يُريده رئيسًا "غصب عنه" سواء أراد او رفض، بالطبع سيكون عهده بيئة خصبة لمواصلة مسيرتك الصحفية العفنة.

                                                                 
                                                  (2)

"إن الرجل العسكري لا يصلح للعمل السياسي، وإن سبب هزيمتنا عام 1967 كان بسبب اشتغال وانشغال رجال الجيش بالألاعيب في ميدان السياسة؛ فلم يجدوا ما يقدمونه في ميدان المعركة".
                                                                                         المشير/ محمد عبد الغني الجمسي (رئيس غُرفة العمليات، اكتوبر73)

السيسي لم يفهم الدرس بعد، هو نفسه الدرس الذي لم يفهمه كل من سبقوه من القادة العسكريين -بعيدًا عن فترة مرسي الفاشلة ايضًا-  لم يفهموا جميعًا انهم قادة جيش منوط بالحماية قبل الحُكم، لم يفهموا أنهم لا يمتلكوا أى حلول لنهضة البلد وتقدمها، ولم يُدركوا ايضًا ان هناك بشر من ذوات الزيّ المدني يجب معاملتهم بالاعراف الاجتماعية وليست القواعد العسكرية.

منذ عقود والجيش لا يُريد العودة الى معسكراته، وحتى من تقاعد عن الخدمة، اخذ مكافأة تقاعده رئاسة مجلس مدينة او حيّ او مركز او محافظة بالكامل، حتى ان وصل الأمر ان يكون مساعد وزير الصحة للشئون المالية والادارية هو اللواء اشرف فرج "لواء سابق ع المعاش" وان يكون مدير مكتبه عقيد عامل بالخدمة، ماعلاقة هؤلاء بالطب والادارة والشئون المالية.!!!

هذا على سبيل المثال لا الحصر، اردت فقط ان اعطيك لمحة عن سبب فشل الانظمة العسكرية، كل شئ قائم على الثقة وتنفيذ اوامر الادارة المركزية، والحزم والظبط والربط، لا مكان للكفاءة والخبرة، وبالتالي فلن تكون هناك نهضة او تقدم.
ومع كل هذا.. فمازال مجموعة القادة "الواكلينها والعة" لا يُريدوا ترك الساحة لغيرهم من ذوي الكفائات، للحفاظ على مجموع ثرواتهم التي حققوها على مدار عشرات السنين. فالحُكم العسكري هو الضمانة الوحيدة لبقائهم في حلقة الأمان، فتراهم مازالوا مُصرّين على محاكمة العسكريين مدنيًا، وان يكون اختيار وزير الدفاع بعلمهم -ولا اعرف اى دولة أخرى تطبق هذا النموذج- بالاضافة الى ادراج موازنة الجيش رقمًا واحدًا دون تفاصيل في الموازنة العامة للدولة، يُصرّون على كل هذا باسم دواعي الامن القومي، والحقيقة ان تلك المواد تضمن بقائهم في السُلطة حتى لو بالمُناصفة، تحسُبًا لمجيء رئيس مدني.


                                                               

                                                     (3)


قُلتُ لكم في السنة البعيدة 
عن خطر الجندي 
عن قلبه الأعمى، وعن هِمّته القعيدة 
يحرُس من يمنحهُ راتبهُ الشهري 
وزِيّه الرسمي 
ليُرهِب الخصوم بالجعجعة الجَوفاء 
والقعقعة الشديدة 
لكنه.. إن يحن الموت.. 
فداء الوطن المقهور والعقيدة: 
فرّ من الميدان 
وحاصر السلطان 
واغتصب الكرسي 
وأعلن "الثورة" في المذياع والجريدة!
                                                              أمل دنقل

لعلّ اغلب من شاهدوا فيلم "البرئ" لم يكترثوا الى سيكولوجية توفيق شركس "محمود عبد العزيز في الفيلم"، نظرًا لبراعة الدور الذي قام به احمد زكي وسرق كل الانظار، الجميع يعلم انه مدير السجن الذي يتلقى الاوامر في التليفون ومن ثمّ يستقبل النُزلاء الجُدُد الى الزنازين بحفلة "التشريفة" ويُشرف على تعذيبهم طوال مدة حبسهم.
لكني هُنا سأتناول توفيق شركس بتفاصيل ادق، من الوهلة الأولى لظهوره حتى قبل مقتله بقليل.
رجُل يُحب الاطفال ويعامل ابنته الطفلة برفق ويذهب معها الى عيد ميلاد صديقتها ويختار بنفسه هدية عيد الميلاد مترجيًا الابنه الا تتحرك من السيارة، وعندما دخل وقالت له البائعة ان هناك لعبة جديدة اسمها عسكر وحرامية ضحك وقال " عسكر وحرامية ايه بس"، وتعامل مع البائعة بلُطف وقبول -وهذا غير وارد في الواقع- فاختارت له جيتار، فوافق مُبديًا شعور بالسعادة لأن الجيتار آلة عزف رقيقة.
 وعندما خرج من المتجر وجد رجُل المرور قد حرّر له مخالفة لوقوف السيارة في الشارع مُعطلة اياه، فلم يعترض وقال " دا انا بقالي هنا دقيقة بس ياحضرة" وتقبّل سخط الشُرطي ومشى في سُكات دون ان يوبّخه ويُعرفه بصفته الوظيفية -وهذا غير وارد في الواقع- فلو حدث هذا اثناء مُجريات اليوم الطبيعي لأى رجُل عسكري لكانت نهاية هذا "الكونستابل".. ولما ذهب الي عيد الميلاد واراد ادخال ابنته واستأذن للانصراف، تمسك به اصحاب المنزل ودخل معهم وعمل اراجوز وساحر ولبس "طرطور" كى يُضحك الاطفال -وهذا غير وارد في الواقع ايضًا- حيثُ يتعامل الرجل العسكري ذو الرتبة مع الاطفال بغلظة شديدة لطبيعة عمله المُتسم بالصرامة ويُنظر لجموع الناس بنظرة دونية تليق بمكانته السيادية.

كل هذا كان تمهيد من الكاتب لايصال رسالة تُحمل على وجهين من التفسير لكنها تُعطي نتيجة واحدة.
أنّ العُنف ليس من شخصه او طبيعته، ولكنه مُجبر على تنفيذ الاوامر من القيادات الأعلى منه، ولا يخضع لأى وازع إلا ارضاء تلك الرؤوس الذين يكلفونه بتعذيب من يضعوه امامه، او رُبما اراد ان يوصل رسالة اخرى مفادها ان ماترونه من ظابط الجيش في زيه المدني شئ، ومايفعله خلف الاسوار شئ آخر لا يمُت للانسانية بصلة "التي رأيتموه عليها في الضحك والمرح مع الاطفال والتعامل بلُطف مع عوام الناس" وان كل الرجال الامنين والعسكريين كذلك.

لا اعرف ان كان وحيد حامد اراد ان يُظهر توفيق شركس كرُجل عسكري ازدواجي مابين الحياة الاجتماعية والحياة العسكرية، ام انه يُلقي كل اللوم على قادته وانه مسئول فقط عن التعذيب ولا يدري من الذي يُعذبهم كسائر الجنود تحت وطأته -المقتنعين بأن هؤلاء المساجين اعدء الوطن- وان مايفعلوه بهم من تنكيل وتعذيب هو " حلال في جتتهم"، لكن ما اقتنع به تمامًا ان كل الرجال العسكريين والامنيين كتوفيق شركس، يُعذبون من يقع تحت ايديهم بلا هوادة ولا رحمة، ضاربين بكل حقوق الانسان -المزروعة في فطرتهم وليست المقررة في لوائح العمل- عرض الحائط.