Digital clock

الخميس، 29 أغسطس، 2013

علمانيّتنا الجُزئيّة


إن كُنت مِمّن لا يُفضّلون قراءة المقالات او التدوينات الطويلة فعليك بالإجابة على سؤالي هذا ، ومن ثمّ ستُكوّن فكرة عمّا اتناوله في هذا الطرح ، إن خيّروك في وزيرًا للصحة من بين هؤلاء فمن تختار ( ياسر برهامي - مجدي يعقوب ).؟؟؟ ، لن أزيد المسألة عليك التباسًا وتعقيدًا ، ان وقفت عند نُقطة هذا مُسلم وهذا مسيحي فاستبدل محمد غنيم بمجدي يعقوب وأجب عن السؤال.
بالطبع المعيار الأول والأخير هُنا هو الكفاءة ، ولا علاقة للكفاءة بالتديُّن ،فالكفاءة علم وعمل واستعداد ومؤهلات لا دخل لها بالصوّام القوّام ، طبعًا من المُمكن ان يكون المتدين عاملًا كُفئًا ووزيرًا ناجحًا، وقد لا يكون .. لكننا هُنا نبحث عن الطبيب الأفضل مهنيًا لا الأكثر تقوى وورعًا ، نبحث عن من يحل لنا أزمة العلاج ويُحسن احوال العاملين بالوزارة ويُطوّر المستشفيات ويهتم بالبحث العلمي، ولا نبحث عن امام وخطيب للمسجد القابع بالدور السُفلي في مستشفى معهد ناصر .


العَالمانية وحُرّفت إلى العلمانية، مُشتقة من العالَم وليس العِلم كما يظُن البعض.


في كتابه "العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة " فرّق الدكتور المسيري - رحمه الله - بين الاثنين ، فقال ان الأولى تعني فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة ، وعرّف الثانية على انها فصل القيم الانسانية والدينية عن الحياة بأكملها بحيث ان يتحول المجتمع بأسرَه الى مادة يستعملها الشخص كما يشاء دون الارتباط او الاحتكام لشريعة او التزام بعقيدة دينية. 
واذا نظرنا في غرضه من التفريق بين الاثنين سنجد انه كان يريد القضاء على السطحية المتداولة بين المؤيدين والمعارضين، فقال "ان مُشكلة التيارات الدينية انها تتعامل مع الفكرة على انها مجموعة ممارسات واضحة تُطبّق في كل مكان وزمان على حدة سواء".

والحقيقة اني ارى تعمّد منهم في الاصرار على تلك القناعة حتى يشعروا بالرضا دائمًا على تكفير كل من يتجرأ ويقول انا علماني او مؤيد للعلمانية وهو مايهدد مصالح الدولة الحالمين بها، فإن كُنت في احدى البلدان العربية ترى هؤلاء على الرغم من كونهم في القرن الحادي والعشرين الا انهم مازالوا مُصرّين على نظام الحُكم الخلافي ، وعندما اقول نظام الحُكم الخلافي هنا اقصد به الهيكلة الادارية للدولة و آلية تداول السُلطات ، وليس المنهج القائم عليه ذلك البلد "الشريعة الإسلامية"، وهذا الأمر يختلط على كثيرًا من الناس فترى تطبيق الشريعة مرتبط في ذهنهم بالخلافة ولايجوز تطبيقها في دولة مدنية ان كانت جمهورية او برلمانية وهذا غير صحيح ، فالنظام الخلافي من الاساس ليس من ثوابت الاسلام او من اركان العقيدة ، أى انه ليس ضروريًا لاقامة مجتمع عادل مُناهض للجور والظُلم وملتزم بالشورى او مُلزمًا على الدولة المسلمة ، وما هو الا الشكل العام للدولة الاسلامية الذي فرضه ظرف الزمان وقتئذٍ ، 
والدليل على ذلك أن اغلب الدول التي سيطرت عليها الاحزاب ذات النزعة الاسلامية ولايوجد بها معارضة ولا علمانية ولا ليبرالية لم تستقل بذاتها في انشاء نظام حُكم خلافي كما يدّعون وانما اُنشأت على نظام ملكي اصبحت به تابعة لمنظمة عالمية اسمها الامم المتحدة تخضع لقواعدها وشروطها في الوقت الذي كان من الممكن انشاء نظام خلافي كما يتشوقون هم الى العصر الاول للاسلام بعدل الحاكم وقوة دولته ، فنراهم استبدلوا النظام الخلافي بنظام ملكي، احتدمت فيه صراعات الاسر كما هو الحال في شبه الجزيرة العربية ، ادى ذلك الى تبعية اغلب دول المنطقة الى الغرب و الولايات المتحدة بشكل خاص، كما هو معروف بوجود اكبر قواعد امريكية في العالم بتلك الدول وما خُفي كان اعظم من عدائهم لبعضهم البعض وتدبير كلًا منهم مكائد للاخر حتى لو على حساب نصرة الكيان الصهيوني كما رأينا تلك الدول تدعم انفصال السودان الى دولتين وبناء سد النهضة في اثيوبيا الذي سيضُر بمصالح مصر والسودان او تجاهل المشكلتين الفلسطينية والعراقية.


                                     
- أبيْننا عُمر.؟؟؟
رفضي للنظام الخلافي يأتي لعدة اسباب :.

1- اننا في زمن لن تجد فيه خليفة علينا من اصحاب رسول الله مثل عُمر بن الخطاب او تابعيه مثل عُمر بن عبد العزيز ، فاشتياق بعض اعضاء التيارات الاسلامية الآن نابع عن الدولة القوية العادلة في زمن هاذين العظيمين والحقيقة انهم من جعلوها كذلك وليس النظام القائم حينذاك ، فلو طُبق هذا النظام حاليًا فلن تجد من يماثلهم لا محال او من يُشبههم.

2- اننا في زمن لا يسمح بالحُكم المطلق بتولية حاكم في يده كل السُلطات يَمنح منها من يشاء او يحتفظ بها جميعًا ، وتكون طريقة الاتيان به بواسطة مجموعة من المشايخ كأهل الحل والعقد ، فبالتالي سيُفرض علينا حاكم شيخ وليس اقتصادي او سياسي .. غير ان اهل الحل والعقد او علماء الدين كلهم منتمين لفصيل واحد وهو التيار الاسلامي السياسي فسيكون الحاكم اما اخواني او سلفي ولا غير ذلك ، وهُنا اُبيد مبدأ تكافؤ الفُرص.

3- صعوبة توحيد الدول الاسلامية او العربية مرة اخرى تحت لواءٍ واحد وقيادة واحدة خاصة ً وانه قد قضى على انفصالهم مايقرب من 100 عام باتفاقيات سايكس بيكو او اتفاقية السودان ، الأمر الذي جعل لكل دولة عادات وتقاليد وحدود وعداء بين اغلب حُكام تلك البلدان ، فهل سنقيم الخلافة في مصر فقط ام تضُم الخلافة بلدان اخرى.؟؟ وفي اى بلد سيكون مقر الخلافة .؟؟ وهل ستوافق باقي الدول على التبعية للدولة التي يُحكمون منها.!!! الامر مستحيل لكن من الممكن ان يكون هناك كونفدرالية اسلامية عربية حقيقة وليست صورية مثل منظمات التعاون الخليجي ومؤتمر القمة الاسلامية وجامعة الدول العربية.

انا لا ارفض الماضي واعتز بالتاريخ الاسلامي ، ما ارفضه هو مطابقة الماضي بالحاضر او شفّ تجرُبه بدون اى وجه شبه، هؤلاء رجال عاصروا سيد الخلق وصحابته، اى اخذوا عنه عِلم ومتتالية مواقف تكفي لان يكون كل منهم مُديرًا للعالم كله وليست ارض محدودة، ووقتنا هذا لانجد فيه حزب كامل او تيار معيّن قادر على الخروج بمصر من الازمة او لم الشمل، فكيف نعطي لشخص ما سُلطة مطلقة بصلاحيات نصف آلهية وبأجل غير مسمى ويولي علينا من بعده بدون معايير ولا يجوز معارضته..الخ ، العامل الزمني واختلاف الافراد هو المعضلة ، بل هو المانع الأبدي لفكرة احياء الخلافة مرة اخرى في زمننا هذا لانها ستكون غير عادلة بالشكل التي نشأت عليه.


   
 - ان كان مايؤذيكم من العلمانية هو مسماها فلنتفق على آخر ترضونه لها ، فلنسميها الفُسدق او اللوز.
العلمانية لا تتعارض مع الاسلام كشريعة ودين، وانما تتعارض مع الحُكم الثيوقراطي ايًا كان حتى لو يهودي او مسيحي او بوذي او هندوسي وليس شرط اسلامي فقط، أى تتعارض مع الحُكم باسم الدين وليس مع جوهر الدين وانتشاره او يكون مُشرّع ورقيب في الدولة "في بعض الدول المسلمة"،
 مشكلة التيارات الدينية انها تتعامل مع المصطلحات السياسية المُبهمة في العرف العام للغة العربية بسطحية فدائمًا ما تجد شخص ينعت معارضيه بالعلمانيين الاشتراكيين الشيوعيين الليبراليين القوميين الحداثيين..الخ ، كل هذا في خانة واحدة يجعلها في تضاد مع الدين ، ولا يعلم معنى بعضها ولا يدري بأن كل منهم فكرة قد تتعادى مع الاخرى احيانًا ولا يُريد ان يفهم شرح كل تعريف لهم ، فتراه يقول ان العلمانية هى فصل الدين عن الدولة ، وانتهى الامر بالنسبة له ، والبعض هُنا سيقرأ العنوان دون المضمون ويعيد الكرّة، علمانية.!!!!!!!!!!! - يا اخى اتقي الله.

ثم دعني اسألك: كيف تكون مُتزمّتًا على عدم فصل الدين عن السياسة في نفس الوقت التي تفصل فيه آداب الاسلام عن السياسة ، بأن تسُب المعارضين لفكرتك وتنعت بعض الشخصيات السياسة بألعن الالفاظ وتُركّب رؤوسهم على اجساد حيوانات وتسخر من آخرين على اشكالهم وليس اقوالهم.!! اليس هذا فصل الدين عن السياسة .؟؟

ثم دعني اسألك: كيف تكون مُتزمّتًا على عدم فصل الدين عن السياسة في نفس الوقت التي تفصل فيه آداب الاسلام عن السياسة ، بأن تسُب المعارضين لفكرتك وتنعت بعض الشخصيات السياسة بألعن الالفاظ وتُركّب رؤوسهم على اجساد حيوانات وتسخر من آخرين على اشكالهم وليس اقوالهم.!! اليس هذا فصل الدين عن السياسة .؟؟
           



                 - هل اقتباس فكرة من دولة غير مُسلمة يعُد مخالفًا للشرع.!!!!

سيدنا محمد -عليه افضل الصلاة والسلام- هو من وضع بذور الدولة الاسلامية ومؤسّسها ، لكن عُمر بن الخطاب هو من أقام الحضارة وبنى دولة المؤسسات ، وفي فترة بناؤه للدولة الاسلامية ، استعار واقتبس من دولتيّ الفُرس والروم معظم اشكال هذه الدولة ، كبناء جيش ثابت للمسلمين بقواعد وحصون راسخة وجنود ساهرين على حماية اراضيهم واسّس الجيش على هذا النحو ، في اقتباس تام من دولة الروم ولم يعدُل عما فعل بمقتضى ان في ذلك تشبيه بالكافرين .. كما استعار فكرة الدواوين - الوزارات حاليًا - من الفُرس، ولم يرفض تطبيق الفكرة لأنهم وثنيين ، بل وترك تداوُل العُملات المعدنية في بعض الدول مثل مصر وعلى جانبيها رسوم بيزنطية لمعابدهم وآلهتهم قديمًا.

لقد ضربت لك أمثلة صريحة في اقتباس افكار من خارج الدولة الاسلامية ساهمت بقوة في بنائها، وانا في غير حاجة ان استدل بما هو اقل من ذلك مثل فكرة الخندق التى اشار بها سلمان الفارسي على نبينا الكريم ، كى لا تقول انها حالة عابرة .. ولذلك فإن لا حُرمة من الاستعانة بأى فكرة غربية وتطبيقها طالما انها لا تُخالف الدين ، فعلمانية مصر جزئية لا شاملة تدعو لفصل الدين عن المجتمع ، وان روّج احدهم لذلك سيموت ضربًا بأيدي مسلميها ومسيحيها، ولا ندعي لتدشين شئ فالعلمانية الجزئية مُطبقة الآن بشكل نسبي بفصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة وبتجريم اقامة الاحزاب على اساس عرقي او ديني او كل مايُبيح التمييز..الخ وهو مايسمى بالدولة المدنية ، نحن ندعو للحفاظ على ذلك النمط من العدوان المتطرّف او المُفرّط في الدين وعدم الاخلال به .


     
- مستقبل "الاحزاب الاسلامية السياسية" مرهون بصياغة بشرية و فقه معاصر للشريعة الاسلامية.
ليس صحيحًا مايدّعيه البعض من عدم وجود احزاب ذات مرجعية دينية في الدول العلمانية ، المستشارة الالمانية "ميركل" هى رئيسة للحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا ، وهذا الحزب له نفس الاسم في اكثر من 50 دولة في جميع القارات قد تختلف اهدافهم او يكونوا منفصلين عن بعضهم لكن كلهم بنفس الاسم، لكن في مشاركتهم السياسية يفصلوا جيدًا بين اعتقادهم والتزاماتهم، يلتزموا بما اتفق عليه جميع الساسة في كل بلد ويحترموا الدستور والقانون، يُحقّقوا اهدافهم وفق برامج معلنة، ويعتلوا اعتى المناصب القيادية ولا يفرضوا بسُلطتهم على الجميع اعتقاداتهم بدولة الرهبان والقساوسة، وهذه الاحزاب لا تسعى لفرض دولة دينية ولا تُحارب من اجل ذلك، ولا تطغى على كتابة دستور فتطوّع مواده لخدمة رغباتها، لايصدر عن قادتها خطاب يحُس على الكراهية او التكفير .. فبذلك تُصبح الاحزاب ذات المرجعية الدينية احزاب مُحافظة لا احزاب يمينية متطرفة ، وهذا ماينقص كل الاحزاب القائمة على اساس ديني في مصر.

لا يوجد مشروع يسمى مشروع اسلامي ، هناك مشروع بشري يتفق مع الشريعة او لايتفق ، لكن اولًا واخيرًا هو مجهود بشري بحت، يُسأل عنه من وضعه سواءً كان فرد او جماعة ، ومن ثمّ فتكون الادانة موجهة له عند الفشل لا للدين ، وعندما نقول انه يجب على اهل الدعوة ان يتركوا السياسة فنقولها من باب التخصص لا الفصل، وان ارادوا الممارسة فلا حرج عليهم لكن عليهم الخضوع الى الدستور والقانون كغيرهم ، يجب ان يتخلّوا عن الديماجوجية واستعطاف الاهواء باسم الله والاسلام وان يفوا بوعودهم وعهودهم ، مدركين ان السخط الشعبي ردًا على فشلهم وعلى اشخاصهم وليس الاسلام ، ولا يجوز الادعاء في السياسة بأن خيارًا ما هو الصواب لأن هذا مايريده الله ، هذا مرتبط بأسوأ عهود البشرية واكثرها ظلامًا في اوروبا الوسطى ، حينما كان يقرر الكهنة تنفيذ رغباتهم ويدّعون انها رغبة الله ، واذا اعترضهم احد يقتلوه لانه اعترض على ارادة الله ، العالم كله يتقدم من حولنا ومازلنا نتناحر على التوصل لتفاهمات بشأن اشياء مفروغ من امرها قديمًا .